تفاصيل أول ليلة عمل بقناة السويس الجديدة

240684_0

«المصري اليوم» عايشت أول ليلة عمل في مشروع الحلم المصرى، قناة السويس الجديدة، الذي بدأ العمل فيه قبل يومين بمئات المعدات والسيارات، التي يهز صوتها صمت الصحراء السيناوية المتعطشة للبشر والعمران.

المشهد كان رائعا؛ خلية نحل، بل موقعة حرب، الجميع يعمل، اللوادر، السيارات، والعمال، نوبتجيات 24 ساعة يوميا، اتفقوا على المبيت بالمواقع الخاصة بالمشروع داخل خيمات أقاموها بمواقع العمل، بعضهم جلس يحتسى الشاى والقهوة في استراحة لمدة دقائق قبل استئناف العمل، فيما سلم البعض الآخر نفسه إلى النوم من شدة الإرهاق في نوبتجية النهار، التي تبدأ من السادسة صباحا حتى السادسة مساء تمهيدا للعمل طوال الليل.

كان مشهد سيارات الخدمات الأمنية التي يوفرها الجيش وتجوب أنحاء المواقع ليلا لافتا للنظر، تستطيع أن ترصد بسهولة بين الحين والآخر دوريات الجيش التي تبادل العمال التحية، وهتافات «تحيا مصر.. بنحبك يا سيسى».

بعد عبور القناة من معدية نمرة 6 القريبة من الموقع، استقللت سيارة أحد المقاولين بالموقع التي انتظرتنى خارج المعدية لسهولة المرور، حيث قام الجيش بعمل تصاريح لهم لسرعة إنجاز أعمالهم، وإن كان هذا التصريح لم يمنع إخطار الجهات الأمنية والسيادية بالزيارة، فالرقابة الأمنية شديدة والرصد الميدانى للمواقع يتم كل ساعة.

وصلنا إلى الموقع في حوالى السادسة من مساء أول ليلة حفر بالقناة، كان المكان وأضواء السيارات من بعيد تبدو كأنها معركة حربية، وكشافات السيارات تضىء المكان، وتعلو أصوات محركات السيارات والمعدات وصدى أصواتها ليهز سكون سيناء الهادئ.

قبل دخول الموقع وعلى محطة وقود الوطنية التابعة للجيش، وجدت زحاما من السيارات الخاصة بنقل الرمال من المشروع، وعندما سألت عن سبب الزحام، قال السائقون إنها محطة الوقود الوحيدة بالمنطقة، وطالبوا بتخصيص محطات وقود للمشروع فقط حتى لا يضيع الوقت في الانتظار.

عزومة أول ليلة

وصلت الموقع برفقة سائق السيارة وسائق لودر، ودخلنا الموقع بعد اجتياز نحو أربعة كمائن للجيش و5 دوريات على الطريق.

كان في الموقع نحو عشرة سيارات وخمسة لوادر تقوم بتحميل الرمال، وتذهب إلى أماكن بعيدة لتلقى بها بعيدا خارج الموقع.

على جريش، أحد المقاولين بموقع الحفر، يعمل بشركة إنترناشيونال جروب، التي حصلت على أربعة كيلومترات حفرا، يقول: «أنا قررت أن أعزم جميع العاملين بالموقع على العشاء، احتفالا بأول ليلة نعمل بها»، معربا عن تفاؤله بأن ينتهى العمل قبل نهاية العام إذا استمر بروح الحماس والحب التي تربط الجميع وأجواء المعركة التي لا تختلف عن أجواء معركة أكتوبر.

ويضيف: «الجميع هنا على قلب رجل واحد، ولا ينقصنا شىء سوى بعض المعوقات البسيطة التي نطالب بحلها بشكل عاجل حتى يركز العمال في العمل».

زحام الوقود

مصطفى أبوجودة، أحد المقاولين بالموقع، حمل طعاما للعمال بالموقع التابع له، وقال إن كل شىء بالوقع على ما يرام، لكنه يشكو من تكدس سيارات ولوادر الموقع أمام محطة الوقود الوحيدة القريبة من الموقع والتابعة للجيش، مما يؤدى إلى تأخر العمل وتعطل الورديات، مطالبا الجيش بعمل خزانات وقود خاصة بالمشروع داخل مواقع العمل، توفيرا للوقت والمجهود، وضمانا لانتظام العمل.

عروسة جديدة

حمادة بولا، أحد المقاولين الصغار الذي يعمل لدى الشركة التي تتولى الحفر بالموقع، يمتلك سيارتى نقل رمال، قال إن ثقته بالجيش لا حدود لها، وإنه جاء فور إعلان القوات المسلحة عن تولى مسؤولية الإشراف على المشروع، وعندما جاء إلى الموقع جمع تحويشة عمره لشراء سيارة جديدة خاصة بالمشروع، وقام بالإشارة إليها قائلا: «هى العروسة اللى شغالة من أول ليلة» ويقوم اللودر بتحميل الرمال عليها.

وأكد أنه عمل في حياته مقاولا في أكثر من موقع، ولكن العمل بمشروع قناة السويس الجديدة له طعم خاص، كما أن العمل 24 ساعة بالمشروع ليلا ونهارا شجع على جذب مئات المقاولين والعمال على العمل بروح وحماس، لا يقل عن روح وحماس حرب أكتوبر.

مهمة حرب

وبصوت متواصل من الكلاكسات، استقبلنى بموقع الحفر في قلب صحراء سيناء، أحمد أبوطه، مشرف عمل وسائق لودر، وطلب منى الصعود على اللودر للحديث معه، مؤكدا أنه ليس لديه استعداد للتوقف أو تعطيل العمل لحظة، وبالفعل صعدت إلى اللودر معه، وهو يقوم بشق الرمال بسكينة اللودر وتحميلها على السيارات التي تسارع الزمن لتحميلها إلى خارج الموقع بنحو 5 كيلومترات.

وقال أبوطه إنه حضر إلى العمل في نوبتجية الليل هو وشقيقه زايد أبوطه، سائق أيضا، ليشاركا في هذا الحدث التاريخى، حسب قوله، وإنه اختار الليل للعمل لأنه عاشق له، وله طعم خاص في سيناء.

وأضاف قائلا: «مفيش أروع من العرق وشرب كوباية شاى تحت ضى القمر في صحراء سيناء»، وأكد أنه قال لأسرته قبل أن يأتى ألا ينتظروه سوى كل شهر مرة لأنه في مهمة حرب.

أنا وأبويا على خط النار

بالقرب من الموقع، كان هناك عدد من الخيمات أقامها مقاول الموقع، كان بها ضوء خافت لنار أوقدها عدد من العمال، وعلى بعد أمتار كان هناك عدد من العمال نائمون، بينما البعض منهم يحتسى الشاى والقهوة.

حسين بدوى سائق سيارة من الشرقية، قال إنه جاء إلى العمل وهو فرحان، ولم يتردد لحظة في الحضور بعد أن علم بالمشروع من التليفزيون، وطلب من المقاول أن يعمل في القناة الجديدة، واستجاب له المقاول، وقال إنه يستطيع الآن أن يفخر أمام أبنائه بأنه شارك في بناء قناة السويس وحفر بها كما قام والده بالمشاركة في حرب أكتوبر.

وأضاف قائلا: «يعنى أنا وأبويا على خط النار، هو نار الحرب وأنا أشارك في تعمير سيناء»، مؤكدا أنه يستعد للعمل بعد أن أخذ قسطا من النوم للمشاركة في النوبتجية الليلية بالموقع.

وأكد أن أبناءه طلبوا منه المشاركة معه والحضور للموقع، وأنه وعدهم بإحضارهم حتى يشاركوا مع أبوهم في صنع التاريخ.

«الله يعينك يا سيسى».. بهذه العبارة قاطعنا تهامى خليل أحمد، سائق بالموقع، كان مستلقيا داخل الخيمة، وقد أيقظه الحديث مع زملائه قائلا: «والنبى قولوا للريس الله يعينك يا سيسى».

وأضاف قائلا: «بصراحة مكنتش متصور إن العمل بهذا الشكل والسرعة والحماس في موقعنا وباقى المواقع، والله أنا باشتغل وحاسس إنى في حرب»، وشدد على تعاهد الجميع بالمشروع على إنجازه قبل الموعد المحدد له في عام قائلا: «هنعمل المستحيل.. وزى ما أنت شايف بنشتغل ليل ونهار وإن شاء الله هتكمل».

أحمد سليمان، سائق بالموقع، كان بالخيمة يستريح بعض الوقت، وحرص على شرب فنجان قهوة بالخيمة قبل العودة مرة أخرى لسيارته التي يقودها سائق بديل حتى يشرب القهوة، قال: «زى ما أنت شايف حتى كوباية القهوة والشاى مش عارفين نشربها براحتنا، إحنا هنا شعارنا الحرب.. لا وقت سوى للعمل، وإحنا مع كل رملاية بنشيلها بنحس إننا بنحارب إسرائيل، لأن القناة دى حائط صد ضد أطماع إسرائيل في سيناء».

الصلاة جماعة

على بعد أمتار من الموقع، كانت هناك إضاءة خافته لكشاف صغير حوله مجموعة من العاملين بالموقع كانوا يصلون العشاء، انتظرت حتى فرغوا من الصلاة، واقتربت منهم، وقال أحدهم ويدعى أحمد سعيد على، سائق سيارة، إن الأجواء المسيطرة هنا بالموقع هي أجواء وطنية حماسية، وهو شعور افتقدناه كثيرا في جميع مواقع العمل التي عملنا بها.

وأضاف قائلا: «صدقنى إحنا حاسين إننا في حرب.. حاسين إننا بنعمل خط بارليف جديد زى ما أنت شايف الكل بيشتغل تحت ضى القمر، مفيش ليل، اختلط الليل بالنهار.

رسالة إلى الرئيس

الهادى رجب، سائق لودر بالموقع، طلب منا أن نبلغ الرئيس عبدالفتاح السيسى رسالة، وهى: «إن العمال لن يخذلوه وإننا نحضر له مفاجأة بأننا تعاهدنا على العمل ليلا ونهارا بصرف النظر عن الأجر، حتى ننهى القناة الجديدة قبل العام، وإن عليه أن يفخر بعزيمة المصريين وعرق وصبر الرجال».

وأضاف أن العمل بالموقع يتم على ورديتين، كل واحدة 12ساعة، وإن كل العمال والسائقين والإداريين لا يشعرون بأى تعب لأنهم يؤدون مهمة وطنية.

خدمات عمالية

وخلال جلوسى مع العمال، فوجئت بضوء يشق ليل المكان، وكان لسيارة جيب جاءت مسرعة إلى الموقع وترجل منها سائقها، وكان مشرفا إداريا بالموقع يدعى «يوسف حسن»، من شركة إنترناشيونال جروب التي تنفذ العمل بالموقع، ترجل من سيارته وقال لى إن العمل يتم بشكل رائع، وذلك لعدة عوامل، أهمها: ثقة العمال والمقاولين والشركات على السواء في الجيش، وتوليه مهمة الإشراف، وثقتهم في حصولهم على مستحقاتهم، خاصة بعد تأكيد الرئيس السيسى على حصول الجميع على مستحقاته في المواعيد المحددة لهم.

وأشار إلى أن الأهم من تلك الحقيقة أيضا الشعور الجماعى للعاملين في جميع المواقع بأنهم في مهمة حرب حقيقية للتنمية في سيناء، وهو شعور لا يمكن أن يوصف بل يحسه العامل بوجدانه، وهو يمثل قوة دفع عظيمة للجميع، ويفسر سرعة الإنجاز الذي يتم.