العريش التى عرفتها

ذات يوم من أيام ربيع عام 2005، زرت سيناء وتحديدًا مدينة العريش.. وكانت هذه الكتابة: «سيناء مثلث ملىء بالطاقة والحيوية، وبعض القلق، شكلها الثلاثى على خريطة الوجود تتعمق جذوره للثلاثى «إيزيس، أوزيريس، حورس»، وتمتد أضلاعه على الأزمنة «ماض، حاضر، مستقبل»، وعلى مساحته توحدت السماء والأرض والإنسان.

من إله القمر «سين» الذى ينير شعابها ليلًا اشتق اسمها، وفى الذاكرة يتردد صدى اسمها القديم.

تامفكات.. تامفكات أو أرض الفيروز.. وأنت تسير بمحاذاة شاطئها الشمالى تتمهل الخطو، فربما تطابق موقع قدمك مع آثار قدم عمرو بن العاص وهو يحدق فيمن حوله متسائلًا: أهذه أرض مصرية؟ وفى يده رسالة من عمر بن الخطاب مفادها: إذا لم تكن قد دخلت مصر فارجع، وإذا وصلتك رسالتى وقد دخلتها فامض لوجهتك واستعن بالله.. ويمضى ابن العاص ليتغير وجه مصر و تتغير حركة الزمان.

يمكنك أنت أيضًا أن تمضى متتبعًا تجمعات النخيل على الشاطئ، فتلمح طيف السيدة العذراء وعلى ذراعها وليدها «المسيح»، تحث الخطى بحثًا عن أمان تجده مع ظلال نخلة، يمكنك أنت أيضًا أن تستظل بها، أو ربما يغويك الصدف المتدرج فى ألوانه من البنى حتى البنفسجى فتلتقط بعضًا منه.

وقبل أن أرفع رأسى يسألنى فتى صغير:

عاوزة سمك؟

يشير إلى طوف يقترب بهمة من الشاطئ وبه رجل عندما يقترب منى لا أستطيع أن أمنحه عمرًا محددًا، لعله أثر البحر وقد تماهت سنوات عمره فى أمواجه

أسأل الصغير: أبوك؟

قبل أن يجيب يسعى فى اتجاه المقبل، يفرغان السمك فى طبق بلاستيك، أراقبهما دون أن أقترب -ربما يؤمنان بالنظرة فى الرزق – أسأل:

بلطى؟

يشفق الصغير على جهلى:

مفيش بلطى، ده موسم السردين.

يمضى الكبير دون أن ينتبه لى، أو ربما يسخر من السيدة التى تسير على الشاطئ بحذاء طويل الرقبة ويدرك أنها ليست ابنة بحر فلا يعبأ بها.

استدرت لأتابع خطواتهما ففاجأنى بياض المدينة التى أقف على حدودها، بياض شاهق لا أدرى لم وحده يترسب فى ذاكرتى رغم أن معظم مبانيها ذات لون رمادى فاتح بلون الطوب الأسمنتى الذى بنيت منه، مدينة جديدة من مدن المسحورة التى تمتلئ بها قصص الأطفال. وتحتفظ بها ذاكرتى.

فى المساء، يمكنك أن تتناول النسكافيه والكابتشينو فى أكثر من مكان، حتى محلات «كل حاجة باتنين ونص» موجودة، فقط تغير اسمها لتصبح «مفيش مشكلة» كل حاجة بثلاثة ونصف، كل أشكال وموديلات الملابس موجودة فى واجهة المحلات.. البانطلونات الجينز والبلوزات، الإيشاربات، كل شىء، بيع وشراء.. تجارة.. حركة لا تتوقف.

بعد أن تتعب تشير للتاكسى، وقبل أن تفتح الباب يقول لك بلهجة مؤدبة تفتقدها فى القاهرة حتى مع وجود تاكسى العاصمة:

– مخصوص؟

أهز رأسى وأبتسم ببلاهة:

– يعنى إيه؟

– اتنين جنيه.

بالطبع لن تضحك بصوت مرتفع ولكنك ستحتفظ بالموقف كمزحة ترويها لأصدقائك، وتشكر هذه المدينة التى تجعل للجنيه قيمة، وستحبها أكثر من أى مدينة أخرى، بل ومن أجلها ستحب مدنًا لم تزرها، ومن أجل أهلها ستحب كل أهالى سيناء، أيًا كانت قبائلهم.. السواركة، الرميلات، البياضية، العيايدة، المساعيد، الترابين، الحويطات… وتفكر فربما تكون أنت أحد أقاربهم الذين جاءوا فى هجرات متعددة واستقروا منذ زمن فى الوادى.

سيناء المكان والبشر، الخصوصية الثقافية، هموم ومشاكل اليوم والمعاش.. مواطنون حقيقيون، ليسوا مجرد حلية أو نغمة فى نشيد الوطن.. سيناء ليست مجرد فلكلور.. قضاء عرفى، أعشاب طبية، رقصات، ملابس مطرزة.. برقع وعقال ووشم وشماريخ وأشناف، وعندما تدرك ذلك، ساعتها سترى فى سيناء وجهها الحقيقى بعيدًا عن «كروت البوستال» والكلمات فارغة المضمون، وستحب مدنها البسيطة التى تذوب فى شوارعها دون أن تلفت الانتباه لغربتك، أنت نفسك ستنسى أنك غريب، بل سيتطور الأمر إلى أن يعدك بائع فى محل بأن يأتى لك بطلبك غدًا مساء، وأنت بصدق ستؤكد عليه الموعد، رغم أنك حجزت مقعدك فى أتوبيس شرق الدلتا المغادر فى الخامسة عصرًا».