مقال رأي للكاتب / مروان عبد العزيز ، بصحيفة المصري اليوم بعنوان .. حرب الدولة المصرية ليست حرب سالم

في أعقاب الأيام الأولي لثورة 25 يناير مباشرة، تشكلت كتلة حقيقية صلبة من مجموعة متظاهرين، كانت قادرة وحدها على قيادة الميدان، تشكلت بعدها مجموعة من الخطوط المظاهراتية بدأت تتكئ على تلك القوة وتتحرك معها وتضمن مطالبها وأهدافها بشكل لا يبعد كثيرا عن مطالب وأهداف تلك الكتلة، هذه الكتلة كانت هي «الألتراس». إلى أن استطاعت بعض الجماعات وقتها في اختراق الألتراس وتمويل أجنحة بداخله لتحقيق أهداف معينة خاصة بتلك الجماعات بعيدا عن تلك الأهداف النبيلة التي نادى بها الألتراس في بداية وجوده في الميدان، إلى أن انساقت بعض تلك «الكروية» إلى رغبة فصيل معين وأصبحت تتحرك بشكل رسمي ورئيسي في مواجهات ضد الدولة، مما أدى إلى وجود تكتل حقيقي منظم يعمل في الشارع ولكنه كان وقتها لا يملك الأرض ولا السلاح.

في الفترة الأخيرة وسط الحرب البطولية التي يخوضها الجيش المصري العظيم في سيناء ضد الإرهاب، بدأت المواقع الإخبارية في نشر أخبار عن اشتباكات أخرى تقع بين عناصر التنظيم الإرهابي، من جانب، وبين قطاع آخر من جانب، عظيم جدا.. كل من يقف ضد الإرهاب هو عظيم جدا.. لكن الأزمة في أن هذا الجانب هو ليس قوات الجيش المصري.. ولا يحارب الإرهاب بسلاح الجيش المصري، فالأخبار أصبحت تتحدث عن سلاح قبيلة الترابين. إحدى أهم وأكبر وأقدم قبائل سيناء. منذ يومين أو أكثر انتشرت صفحة على موقع الفيس بوك تعرف باسم صفحة «اتحاد قبائل سيناء» وبدأت في نشر مجموعة من الأخبار تتحدث عن بدء تحركات القبائل بشكل منظم لملاحقة ما وصفوه باسم تنظيم داعش وذلك بعد مقتل واحد من خيرة تلك القبائل قالوا إنه الشهيد سالم أبولافى الترباني أحد أهم أعيان قبيلة الترابين في سيناء، مما دعا تلك القبيلة للم شمل أعضائها من مختلف بقاع سيناء لمواجهة هذا التنظيم والثأر لمقتل سالم وغيره من الرجال، الذين سقطوا على ايدي العناصر المتطرفة.
القبيلة قالت في بيان لها نشرته على الفيس بوك ونقلته الزميلة «الشروق» جاء في جزء منه «من يملك معلومات عن هذا التنظيم الإرهابي ولم يقدمها لنا أو للجيش ومن يتسترون عليهم ومن يسقيهم رشفة ماء أو يعطيهم المجال للاستمرار في أفعالهم سينال أقصى العقوبة ميدانيا ولن يكون له غطاء قبلي أو عشائري أو إنساني وسنجعل منه عبرة»، وأكملت «الشروق» في باقى الخبر «وبث أبناء الترابين صورا لحشود من الشاحنات تحمل عناصر القبيلة المسلحين ضمن خطة النفير العام لمواصلة ملاحقة العناصر الإرهابية

بعد السعادة البالغة التي قد تقع عليك بعد سماع هذا البيان وقراءة مثل هذا الخبر، إستنادا إلى قوة هذه القبائل ومعرفتها بتضاريس الأرض في سيناء وطبيعتها الوعرة، وبعد الأسي الذي ستحمله بعد مقتل رجل يقال عنه ماي قال في الشهامة والنبل والأخلاق مثل سالم أو غيره، لكن عليك أن تتوقف كثيرا عند مفردات تلك القصة الخبرية التي تطوي في مجملها مجموعة من المعاني المرعبة التي لم نسمع عنها في مصر إطلاقا:
– بثت الترابين صورا لحشود
– شاحنات تحمل عناصر القبيلة المسلحين
– خطة النفير العام
– لن يكون له غطاء قبلي أو إنساني
– سنجعل منه عبرة
– وأخيرا.. كل ذلك على صفحة اتحاد القبائل على الفيس بوك
مطلقا أنا لم أسمع مثل تلك المفردات والمعانى في مصر منذ أن بدأت أبحث في صفحات التاريخ الحديث، لم أسمع ان محافظة في مصر أو منطقة معينة بدأت في تجميع شاحنات تحمل عناصر القبائل المسلحين، لم أسمع عن مجموعات من المواطنين بدأت خطة النفير العام، لم أسمع عن قطاع من المواطنين بدأ ينشر صوره وهو يحتشد مسلحا على أرض مصر، لم أسمع قط عن مجموعة من المواطنين بدأوا في نزع الغطاء الإنساني عن مجموعة أخرى.. لكن الوضع هنا مختلف.. نعم الوضع هنا مختلف.. لكنى لم أسمع عن ذلك ولا يجب أن نسمع عن اخبار ومفردات ومعان مثل ذلك، لا يجب أن يحدث ذلك أصلا من الأساس.
لا يمكن أن أشكك في وطنية أو انتماء أي فرد من أفراد القبائل في سيناء كما لا يمكننى أن انزع غطاء الإنسانية عن أي أحد منهم، ولكني كمواطن مصري يجب أن اتوقف كثيرا عند مثل تلك المفردات وأن اتصور مشهد النهاية.
المواجهة في سيناء صعبة، والجيش المصري يخوضها بكل شرف وجسارة، أرواحنا تذهب يوميا إلى الأرض هناك تحمل من الرمل المبلل بدماء جنودنا وأهلنا لتأتى به وتضعه في أعيننا، لكن هذا لا يمنع مخاوف كثيرة من ذلك الاشتباك الذي حدث بين القبائل والعناصر الإرهابية، ومن خطط النفير العام ومن الإحتشاد العسكري للمواطنين، لا أعيش هناك ولا أعرف ما هو الوضع الحقيقي على الأرض ولا اشكك في وطنية وإخلاص القبائل السيناوية أو ابنائها، لكن كل ما أخشاه هو أن تستمر المعركة بهذا الشكل، أو تأخذ المسألة منحى أبعد من الثار لسالم، وأن تصبح صفحة اتحاد القبائل على الفيس بوك صفحة عسكرية تبدأ وسائل الإعلام في نقل أخبارها.
لا يمكن أن تتكون قوة عسكرية على أرض مصر بخلاف قوة الجيش المصري، لا يمكن أن يحتشد أحد على أرض الوطن سوي من يرتدون بدلتنا العسكرية المشرفة. حتى ولو كانوا إخوة سالم.
حربنا ضد الإرهاب حرب واحدة، سالم الترباني لا يفرق كثيرا عن أي شهيد من شهداء الحرب على الإرهاب من جنودنا من الجيش والشرطة، كما لا يمكن لأهل مجند أو ضابط ان يتحدشوا عسكريا للأخذ بثأره، ولا يمكن لعائلته ان تنشئ صفحة على الفيس بوك تنشر صورا لسيارات محملة بالسلاح تبحث عن الثأر، فالحرب هناك هي حرب الدولة المصرية يخوضها الجيش المصري وحده لأنها حرب وجودنا نحن وليست حرب سالم.
».