مقال رأي بشبكة أونا الإخبارية ، للكاتب / عبد الله السناوي .. بعنوان – شفرة سيناء

ن شبه المستحيل دحر الإرهاب فى سيناء بأى وقت منظور إذا لم يكن أهلها شركاء حقيقيين فى الحرب، التى تجرى على أراضيهم ويدفعون أثمانها من حياتهم واستقرارهم ومستويات معيشتهم.
هم أدرى ـ من غيرهم ـ بشعابها وأسرار تضاريسها ومدى الاختراقات فى بنيتها السكانية وأين التمركزات الإرهابية.
هذه مسألة معلومات ضرورية تتوقى الضربات قبل أن تقع وتساعد على كسب مثل هذا النوع من الحروب بأقل كلفة إنسانية ممكنة.
كما أنهم أدرى ـ من غيرهم ـ بكيفية تأمين المناطق السكانية وتوفير الدعم اللوجستي لقوات إنفاذ القانون حتى لا تباغت بفواجع جديدة.
وهذه مسألة تغطية لازمة فى أية مواجهات مسلحة، أو أية مداهمات لأوكار عنف وإرهاب.
وفق شخصية مؤثرة من أهل المكان فقد جرت (43) عملية إرهابية بذات النهج تخطيطا وتنفيذا على مدى السنوات الماضية، كأنها تستنسخ طبعة واحدة، دون أن نتعلم الدروس الواجبة، التى تقلل فواتير الدماء وتضع جماعات الإرهاب فى زاوية النهاية.
لماذا طالت الحرب على الإرهاب فى شمال سيناء إلى ما يقارب الخمس سنوات دون أن تتوافر مؤشرات مقنعة على قرب حسمها؟
بدت إجابته على سؤال صادمة: لأنه لا توجد ثقة كافيه فى أهل سيناء، فهم متهمون فى شرفهم الوطني، رغم التضحيات التى بذلوها فى كل حروب مصر، والأدوار التى اضطلعوا بها فى أحلك الظروف.
تلك أزمة ثقة نالت من أية قدرة على الحسم تعيد إلى شمال سيناء أمنه واستقراره.
تتنوع مصادر الأزمة وتتعدد أسبابها دون أن نستمع بشفافية لشكاوى وأنين ومطالب أهالي سيناء، أو نعمل بجدية على خفض مستوى خطورتها وبناء جسور للثقة على أرض صلبة لا افتراضية.
وقد أعادت مجزرة مسجد «الروضة» طرح السؤال بإلحاح غير مسبوق مشفوعا بطلب مشاركة فى الحرب من قبائل شمال سيناء ونوابه فى المجلس النيابى.
باليقين فإن المجزرة هى الأبشع والأكثر دموية فى سجل الإرهاب الذى تتعرض له مصر، وقد كان ذلك داعيا لاستنفار قبائل سيناء طلبا للثأر.
بالأرقام الرسمية بلغ عدد الشهداء، الذين سقطوا أثناء أداء صلاة الجمعة بمسجد القرية القريبة من «بئر العبد» (305) ، بينما يؤكد سكان المنطقة أن الرقم الحقيقى ربما يصل إلى (365) حيث لم يحسب الذين قتلوا فى بيوتهم، أو بالطرقات، أو نقلوا إلى مستشفيات خاصة على نفقة ذويهم.
قد يكون هناك شيء من المبالغة بالأرقام المتداولة شعبيا غير أنها تعبر عن شعور طاغ بالفجيعة، وأن أهل سيناء جرى استباحتهم على نحو بشع يستهين بحرمة المسجد و آدميتهم نفسها.
تحت وطأة الفجيعة بدأت مراجعات صاخبة.
بعضها ينتقد الأداء الرسمى ويتهمه بالتقصير حيث توالت إشارات تحذر من عملية محتملة فى القرية دون أن تتوفر أى حماية للأهالى، ولا اشتبكت القوات القريبة مع الهجوم الإرهابى.
وبعضها الآخر يدعو إلى حوار عاجل مع القيادات العسكرية العليا لـ«تنسيق عملية كبرى مع الجيش للإنهاء التام على الإرهاب الأسود» ـ وفق بيان «اتحاد قبائل سيناء» عقب اجتماع فى منطقة «البرث».
البيان صيغ بدرجة عالية الغضب: «لا عزاء إلا بعد الثأر، سنقتلكم ولا تأخذنا بكم رأفة… ليس لدينا لكم محاكمات ولا سجون» ـ موجها خطابه إلى الجماعات الإرهابية المتمركزة فى سيناء.
الغضب المفرط مفهوم دوافعه، غير أن التعبير عنه يستحق تبصرا بالمخاطر والمنزلقات.
هناك فارق جوهرى بين تنظيم الغضب فى إطار قواعد الدولة وبين تفلته عن أية قواعد تطلب الحسم لا الفوضى.
طلب المشاركة فى الحرب ـ بذاته ـ تطور جوهري ينزع عن جماعات العنف والإرهاب أية بيئة حاضنة فى المجتمع القبلي.
كأى أزمة، أو محنة وفجيعة، فإنها تنطوى على فرص بقدر مخاطرها.
ثمة فرصة حقيقية تلوح فى أفق سيناء لتصحيح العلاقات المتصدعة بين الدولة وأهلها وبناء شراكة مصير فى الحرب على الإرهاب لا يصح أن تفلت بالإعراض، أو تضيع بالتجهيل.

حسب بيان عسكرى عن ملاحقات بالطائرات للعناصر الإرهابية، التى شاركت فى مجزرة المصلين، أنها استندت أساسا على معلومات من أهالى سيناء.
إذا لم تكن هناك معلومات دقيقة يوفرها أهل المكان لا يمكنك أن ترى ما حولك ولا من أين يداهمك الخطر.
هذه حقيقة نهائية لا نعمل على استثمار طاقتها إلى آخر مدى بفوائض الكلام الطائش مثل الدعوة إلى إخلاء سيناء من السكان بدعوى محاربة الإرهاب.
مثل هذا الكلام يضرب فى عمق الأمن القومى ويمهد لنزع سيناء عن الجسد المصرى واستباحتها نهائيا لمتطلبات المشروع الصهيونى، الذى يدعو أن تكون وطنا للفلسطينيين بدلا عن أراضيهم أصحاب الحق فيها.
وقد أكدت وزيرة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية «جيلا جملئيل» ذلك المشروع بجلافة عنصرية فى ندوة بالقاهرة عن تمكين المرأة.
بالمقابل هناك كلام له وجاهته فى التحفظ على شراكة أهل سيناء بالسلاح فى الحرب مع الإرهاب خشية انفلاته لغير أهدافه فى تصفيات ثأر قبلية، أو أن تفضى إلى انتقاص من هيبة الدولة المخولة وحدها بمهمة إنفاذ القانون وفرض سطوتها على كامل أراضيها.
مع وجاهة التحفظات وما تنطوى عليه من مخاطر محتملة فإن إهمال طلب قبائل سيناء يهدر فرصة سانحة تخفض فواتير الدم وأحجام الخسائر فى قوات الجيش والشرطة والمواطنين العاديين.
القضية الحقيقية البحث فى العرض وتنظيمه تحت السيطرة الكاملة للدولة لا نفيه والتقليل من شأنه.
فكل تحفظ له حل وكل خطر له مخرج.
ما هو أمنى يضطلع به المعنيون بالأمر وفق ما يتوفر لديهم من معطيات تضبط التخطيط وتحكم التصورات.
وما هو سياسى فهذا شأن المجتمع كله.
مصر بحاجة ماسة أن تفك شفرة سيناء، وأن تصالح مواطنيها، تعترف بالقصور الفادح والأخطاء الكبرى التى ارتكبت ووفرت ملاذات آمنة للإرهابيين.
للمصالحة مقتضياتها وللجدية ضروراتها.
بقدر شراكة المصير مع أهالى سيناء تتأكد قدرة الدولة على حفظ أمنها القومى وحسم الحرب مع الإرهاب.
الشراكة تمتد من ضرورات الحرب على الإرهاب إلى التنمية بالفعل الملموس وتحسين الأحوال إلى أقصى ما هو ممكن.
رغم تمركز «داعش» فإنه يمكن دحرها بوقت قصيرـ حسب تأكيدات شخصيات نافذة فى سيناء، إذا ما صححت العلاقات وأفسح المجال لدور عسكرى مساند ورديف وفق قواعد الاشتباك، التى تحددها السلطات المصرية.
فى بيان «البرث» تعهدت القبائل الكبرى بطى صفحة المنازعات بينها وتوحيد صفوفها للثأر من جماعات الإرهاب.
تلك إشارة لها قيمتها فى المسار الذى يمكن أن تأخذه الأحداث.
القبائل مسلحة بالفعل وقد تحرك أبناؤها بأعقاب المجزرة لإغلاق الطرق والمدقات الجبلية وقطع أى منفذ لفرار أو تسلل الإرهابيين.
المطلوب ـ بالضبط ـ تنظيم السلاح وفق ما تقرره الدولة من إجراءات تضمن استخدامه فى موضعه.
ما صيغة الشراكة بالسلاح تحت الإشراف الكامل للدولة؟
هذا هو السؤال الصعب وموضوع الحوار الذى يطلبه أهل سيناء