مقال رأي للدكتور / مصطفي الفقي بعنوان : سيناء.. التحرير الثانى

إن ويلات الحروب شىء يفوق الخيال، وقديمًا قالوا: شيئان يباح فيهما كل شىء (الحب والحرب)، فالحرب قمة المأساة، فهى الأشلاء والدماء والشهداء واللاجئون ودموع الثكالى والأرامل وصرخات الأطفال أمام هول المشاهد وتراكم الأحزان، وقد سقطت «سيناء» مرتين فى النصف الثانى من القرن الماضى، وتم إجلاء إسرائيل عن ترابها المقدس فى المرة الأولى بضغط من الرئيس الأمريكى الراحل «دوايت أيزنهاور» وانتهى الأمر بانتصار سياسى للرئيس «عبدالناصر»، ثم سقطت مرة ثانية فى يد الجيش الإسرائيلى أثناء حرب الأيام الستة عام 1967، حتى جاء تحرير «سيناء» فى أبريل عام 1982 نتيجة لحرب أكتوبر الظافرة، وهو أمر أعطانا إحساسًا قويًا بالثقة فى النفس والقدرة على استعادة الحق واسترداد الأرض، ومنذ ذلك الحين ونحن نتطلع إلى تعمير تلك الأرض الواسعة حتى لا تصبح لقمة سائغة يجتاحها الخصم فى ساعات قليلة، فضلًا عن أن «مصر» تفقد الكثير مما يمكن استثماره فى أرض «الفيروز». وكلما كنا نتحدث عن تعمير «سيناء»، كانت تأتينا الإجابات غامضة، وكأن قيدًا ما يضع حدودًا لذلك المطلب الوطنى، والذين لا يعرفون مسار الحروب وسقوط الدول يدركون أن التركز السكانى ووجود المدن هو ضمانات قوية للحيلولة دون الهزيمة العسكرية، فالتجمع البشرى هو حائط الصد القومى، وهو مركز المقاومة المستميتة التى تجعل الأرض حصنًا منيعًا يصعب اجتيازه، وقد يستحيل اقتحامه، ولا أعرف لماذا لم نفطن لتلك الحقيقة وهى من بدهيات التوزيع الديموجرافى للسكان فى كل زمان ومكان، وهى نوع من الوقاية الطبيعية أو الحماية المدنية لدرء العدوان وصد المعتدى!.

وإذا بحثنا فى ثروات «سيناء» فحدّث ولا حرج، ولكننا لا نلتفت دائمًا لما فى أيدينا ونترك غيرنا يتحدث عما نملك نحن، ورغم اعترافى بالجهود المبذولة، خصوصًا فى السنوات الأخيرة، من أجل ضخ الحياة فى تلك الصحراء الواسعة، إلا أننا نظن أن الهدف لم يتحقق بعد، وأن الغاية تبدو بعيدة، والغريب أن المصريين الذين عاشوا بعشرات الألوف فى «العراق» لم يتمكنوا من ذلك لا فى «سيناء» ولا حتى فى «السودان»، فالمصرى لو وصل إلى مبنى المطار الجوى أو الميناء البحرى، فإنه يقسم بغربته ويتحدث مبالغًا عن لوعة الفراق!. أَمَا آن لنا أن نتحرر من ذلك التفكير النمطى، وأن نتحرك صوب ما يحقق مصالحنا، وهنا يعنّ لى أن أطرح الملاحظات الآتية:

أولًا: إن القول بضرورة تقسيم «سيناء» إلى محافظات ثلاث وليست اثنتين – كما هو الحال الآن – هو أمر جدير بالدراسة ويستحق الاهتمام، فمحافظة الوسط سوف تغطى مساحات شاسعة، لابد من تطويرها والاستثمار فيها والإفادة من ثرواتها، إذ لم يعد مقبولًا أن نترك المساحات الواسعة بلا استخدام، وهنا ألفت النظر إلى أهمية سياحة الصحراء فى الكتالوج المعاصر للسياحة عمومًا.

ثانيًا: إن المحاذير الأمنية والتداخلات السياسية فى «سيناء الشمالية» هى أمر يؤكد أن تلك المنطقة هى قلعة دفاع حصين عن الوطن المصرى كله، كما أن الحياة فى «مصر» تمضى بقاعدة الدوران إلى الأمام، ولا يمكن أن نتصور أبدًا أن يكون هناك خلود لمخلوق، ولذلك فإن «التفكير البراجماتى» هو السبيل الوحيد للخروج مما نحن فيه، كذلك فإن انتشار التعليم ووجود عدد كاف من المدارس والجامعات، فضلًا عن المصانع والمنشآت، سوف يشد الخريطة كلها إلى الأمام، ويحفّزنا على الحركة والتطور ودخول معركة التنمية بشجاعة وثقة بدأت تتبلور مؤخرًا فى حياتنا.

ثالثًا: إن قداسة البوصة الواحدة من تراب «سيناء» لها نفس قداسة البوصة الواحدة من «ميدان التحرير» فى قلب العاصمة، فالأرض واحدة، والدولة مستقلة ولا تسمح لأحد بأن يحاول العبث بأمنها أو النَيل من استقرارها، وإذا كنا نعتبر «شرم الشيخ» «مدينة السلام»، فإننا نؤكد بذلك أواصر الصلة بين «الوادى» و«سيناء»، مدركين أن «مصر» وحدة إقليمية غير قابلة للتجزئة أو التقسيم.

رابعًا: إن طبيعة الحياة فى «سيناء» وسكانها من بدو «مصر» تختلف عن «الدلتا» و«الصعيد»، فالبدوى يحمل كرامته على كتفه، كما أن رصيده القبلى هو مصدر مكانته وتحديد وضعيته، لذلك فإن أسلوب التعامل مع أشقائنا فى «سيناء» – من غير المتمردين والقتلة – يجب أن يكون هو الآخر مختلفًا، وأن يكون فيه فهم عميق لشخصية السيناوى وأسلوب حياته وطريقة تفكيره ونظرته للمستقبل وارتباطه بالوادى البعيد، إذا جاز التعبير.

تلك هى «سيناء» التى نحتفل بتحريرها من جديد، ونظن أننا نقوم حاليًا بعملية التحرير الثانية، فالأولى كانت من احتلال «إسرائيل»، والثانية من قبضة الإرهاب، ذلك العدو الحقيقى لاستقرار الوطن وسلامة شعبه.